محمد بن جرير الطبري

448

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يجمع جميعها أنها تمحيص وكفارات لمن عوقب بها فيما عوقبوا عليه = ( 1 ) كان بينًا أنّ من ألزم الكفارة في عاجل دنياه فيما حلف به من الأيمان فحنِث فيه ، وإن كانت كفارة لذنبه ، فقد واخذه الله بها بإلزامه إياه الكفارة منها ، وإن كان ما عجَّل من عقوبته إياه على ذلك ، مُسْقطًا عنه عقوبته في آجله . وإذ كان تعالى ذكره قد واخذه بها ، فغيرُ جائز لقائل أن يقول وقد وأخذه بها : هي من اللغو الذي لا يؤاخذ به قائله . فإذ كان ذلك غيرَ جائز ، فبيِّنٌ فساد القول الذي روي عن سعيد بن جبير أنه قال : " اللغو الحلف على المعصية " ، لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن على الحالف على معصية الله كفارة بحِنْثه في يمينه . وفي إيجاب سعيدٍ عليه الكفارة ، دليلٌ واضح على أن صاحبها بها مؤاخذ ، لما وصفنا من أن من لزمه الكفارة في يمينه ، فليس ممن لم يؤاخذ بها . فإذا كان " اللغو " هو ما وصفنا = مما أخبرنا الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذنا به - وكلُّ يمين لزمت صاحبَها بحنثه فيها الكفارةُ في العاجل ، أو أوعد الله تعالى ذكره صاحبها العقوبةَ عليها في الآجل ، وإن كان وَضَع عنه كفارتها في العاجل - فهي مما كسبته قلوب الحالفين ، وتعمدت فيه الإثم نفوس المقسمين . وما عدا ذلك فهو " اللغو " ، وقد بينا وجوهه = ( 2 ) فتأويل الكلام إذًا : لا تجعلوا الله أيها المؤمنون قوةً لأيمانكم ، ( 3 ) وحجة لأنفسكم في إقسامكم ، في أن لا تبرُّوا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس ، فإن الله لا يؤاخذكم بما لَغَتْه ألسنتكم من أيمانكم فنطقت به من قبيح

--> ( 1 ) سياق هذه الجملة : " وإذ كان ذلك كذلك ، وكان صحيحًا عن رسول الله . . . وكانت الغرامة في المال . . . كان بينًا أن . . . " ( 2 ) سياق هذه الجملة : فإذ كان اللغو هو ما وصفنا . . . وكل يمين لزمت صاحبها بحنثه . . . فهي مما كسبته قلوب الحالفين . . . فتأويل الكلام إذا . . . " ( 3 ) في المطبوعة : " عرضة لأيمانكم " والصواب ما أثبت من المخطوطة .